ابن خلكان

178

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

فرغ من ذلك خرج إلى الناس وابتدأ بكتاب المعاني قال الراوي وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني فلم نضبطهم فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا فلم يزل يمليه حتى أتمه ولما فرغ من كتاب المعاني خزنه الوراقون عن الناس ليكسبوا به وقالوا لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم فشكا الناس إلى الفراء فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك فقالوا إنما صحبناك لننتفع بك وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب فدعنا نعيش به فقال قاربوهم تنتفعوا وتنفعوا فأبوا عليه فقال سأريكم وقال للناس إني ممل كتاب معان أتم شرحا وأبسط قولا من الذي أمليت فجلس يملي فأملى الحمد في مائة ورقة فجاء الوراقون إليه وقالوا نحن نبلغ الناس ما يحبون فنسخوا كل عشرة أوراق بدرهم وكان سبب إملائه كتاب المعاني أن أحد أصحابه وهو عمر بن بكير كان يصحب الحسن بن سهل المقدم ذكره فكتب إلى الفراء إن الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني عنها جواب فإن رأيت أن تجمع لي أصولا وتجعل ذلك كتابا يرجع إليه فعلت فلما قرأ الكتاب قال لأصحابه اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابا في القرآن وجعل لهم يوما فلما حضروا خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذن فيه وكان من القراء فقال له اقرأ فقرأ فاتحة الكتاب ففسرها حتى مر في القرآن كله على ذلك يقرأ الرجل والفراء يفسره وكتابه هذا نحو ألف ورقة وهو كتاب لم يعمل مثله ولا يمكن أحدا أن يزيد عليه وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو فلما كان يوما أراد الفراء